السيد محمد باقر الصدر

546

أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )

ولهذا اتّجهت الامويّة بعد انتصارها العسكري عام الأربعين « 1 » إلى أعظم سرقة يمكن أن يمارسها إنسان . وماذا أعظم من أن يخطّط الانحراف الحاكم يومئذٍ - وعلى رأسه معاوية - على أن يسرق من الامّة إرادتها وينتزع منها شخصيّتها وكبرياءها ، ليحقّق بذلك نصره النهائي ، ويضمن له البقاء والامتداد ؛ لأنّ الاستسلام الحقيقي للُامّة ليس بإلقائها السلاح فترةً من الزمن أمام الغاصب المنحرف ، بل بتنازلها عن إرادتها وشخصيّتها ، وقد استطاع معاوية أن ينتزع قدراً كبيراً من هذا الاستسلام . ولعلّ أقسى تعبيرٍ عمّا وصلت إليه الامّة من انهيار واستسلام حقيقي نتيجة هذه المؤامرة ما قاله الوافدون على الحسين ( عليه السلام ) من الكوفة : « إنّ قلوبهم - يعنون قلوب أهل الكوفة - معك وسيوفهم عليك » « 2 » ؛ لأنّ من لا يملك إرادته تتحرّك يده باتجاه معاكس لقلبه . فكان لا بدّ للإمام الحسين ( عليه السلام ) [ في ] تلك المرحلة الرهيبة أن يحمي الامّة وإرادتها من الانهيار الكامل الذي يحقّق لخصوم الإسلام نصرهم النهائي . وإذا لم يكن متاحاً للإمام يوم عاشوراء - وهو في سبعين رجلًا من أصحابه - أن يحبط مؤامرة الامويّين على السلطة ويستردّ منهم الحكم الذي سرقوه ، فقد أتيح له أن يحبط مؤامرة الامويّين على إرادة الامّة ، ويمدّها بطاقة عظيمة تحصّنها ضدّ الذوبان والانهيار . وكان الأسلوب الوحيد لذلك أن يقف الإمام الحسين ( عليه السلام ) بنفسه أمام الطغاة الذين سرقوا من الامّة إرادتها ، ويتحدّاهم بكلّ صمود وثبات ، وبيأسٍ كامل من

--> ( 1 ) إذا كان ( قدّس سرّه ) يقصد حرب صفّين - وهو مقصوده على الأغلب - فلعلّه قصد : الانتصار السياسي بمقاييس الأخلاقيّة غير الرساليّة . ( 2 ) الأخبار الطوال : 245 ؛ مقاتل الطالبيّين : 111 ؛ دلائل الإمامة : 74 ؛ تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 386 : 5 . وقد تقدّم بعضُ التعليق في المحاضرة السابعة عشرة ، فراجع .